خطاب الكراهية في موريتانيا.. تهديد صامت للسلم الأهلي والأمن المجتمعي

في المجتمعات المتماسكة، تبقى الكلمة مسؤولية أخلاقية ووطنية قبل أن تكون حقًا مكفولًا بالدستور والقانون. فالكلمات التي تُبنى على الاحترام والتقدير المتبادل تعزز الثقة بين الناس، وتوطد روابط الانتماء الوطني، بينما تؤدي الكلمات المشحونة بالتحريض والتخوين والازدراء إلى فتح أبواب يصعب إغلاقها، وتزرع الشك والعداء بين أبناء الوطن الواحد.

ومن هنا تأتي خطورة خطاب الكراهية بوصفه أحد أخطر التحديات التي تهدد الأمن المجتمعي والاستقرار السياسي، لما له من قدرة على تقويض أسس التعايش وإثارة الانقسامات داخل المجتمع.

لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا مقلقًا لهذا الخطاب، خاصة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من السهل تداول الشائعات، وتضخيم الخلافات، وإذكاء النعرات العرقية والجهوية والسياسية. وفي كثير من الأحيان، لم تعد الكلمات مجرد آراء عابرة، بل تحولت إلى أدوات مباشرة لتأليب الرأي العام، وتبرير الإقصاء، بل والتحريض على العنف.

وفي موريتانيا، لا يبدو المجتمع بمنأى عن هذه الظاهرة. فقد شهدت الساحة الوطنية مؤخرًا تصريحات متشنجة من بعض النشطاء والحقوقيين والسياسيين، تجاوزت حدود النقد المشروع إلى تعميمات خطيرة مست كرامة فئات اجتماعية وأثارت حساسيات كامنة كان من الحكمة تجنبها.

كما أفضت بعض هذه الممارسات إلى توقيف وسجن عدد من النواب والمدونين والفاعلين، على خلفية اتهامات بنشر خطاب الكراهية وتهديد السلم الأهلي. وهي تطورات تؤكد أن المسألة لم تعد مجرد سجال سياسي أو حقوقي، بل أصبحت قضية وطنية تستوجب التعاطي معها بكثير من المسؤولية والوعي.

إن حرية التعبير قيمة دستورية أساسية لا غنى عنها في أي مجتمع ديمقراطي، لكنها لا تعني إطلاق العنان لخطاب يمس كرامة المواطنين أو يهدد وحدة المجتمع. فحين تتحول المنابر الإعلامية والرقمية إلى ساحات للتشهير والتحريض، يصبح من واجب الدولة والمجتمع رسم حدود واضحة بين النقد المسؤول والخطاب الذي يغذي الفتنة والانقسام.

وتكمن خطورة خطاب الكراهية في أنه يقوض الثقة بين مكونات المجتمع، ويغذي الشعور بالظلم والتمييز، ويهيئ بيئة خصبة للصراع. فالمجتمعات التي يسود فيها خطاب الانقسام تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات، وأكثر قابلية للانجرار إلى مواجهات لا تخدم سوى أعداء الاستقرار والتنمية.

ما الحل؟

مواجهة خطاب الكراهية لا تتحقق بالعقوبات وحدها، رغم أهميتها في ردع التجاوزات، بل تتطلب مقاربة شاملة تقوم على جملة من الإجراءات المتكاملة:
 تطبيق القانون بعدالة وحياد على كل من يثبت تورطه في التحريض على الكراهية، بعيدًا عن الانتقائية أو التوظيف السياسي.

 تعزيز التربية على المواطنة وترسيخ قيم الاحترام والتنوع والتعايش في المناهج التعليمية.
 دعم الإعلام المهني المسؤول القائم على التحقق والتوازن، والابتعاد عن الإثارة والتجييش.
 تشجيع الخطاب الديني والثقافي المعتدل، وإبراز القدوات من أهل العلم والفكر والإصلاح الذين يجسدون قيم الحكمة والتسامح.

 إطلاق حوار وطني صريح يعالج جذور الاحتقان ويعزز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.
 تحمل النخب السياسية والحقوقية والإعلامية مسؤوليتها في تهدئة النفوس وتقديم خطاب جامع يرسخ الوحدة الوطنية.

إن موريتانيا، بما تمتلكه من رصيد تاريخي وثقافي قائم على التعايش والتسامح، قادرة على تجاوز هذه التحديات إذا ما تغلب صوت الحكمة على لغة التصعيد، وقدمت المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
فالوطن لا يُبنى بالكراهية، ولا تُصان وحدته بالتخوين، وإنما ينهض بالعدالة والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية. وعندما يدرك الجميع أن الكلمة قد تكون جسرًا للتفاهم أو شرارة للفتنة، يصبح الحفاظ على السلم الأهلي مسؤولية مشتركة لا تقبل التهاون.